ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
60
حجة الله البالغة
( من أَبْوَاب الزَّكَاة ) اعْلَم أَن عُمْدَة مَا روعي فِي الزَّكَاة مصلحتان : مصلحَة ترجع إِلَى تَهْذِيب النَّفس ، وَهِي أَنَّهَا أحضرت الشُّح ، وَالشح أقبح الْأَخْلَاق ضار بهَا فِي الْمعَاد ، وَمن كَانَ شحيحا فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ بقي قلبه مُتَعَلقا بِالْمَالِ ، وعذب بذلك ، وَمن تمرن بِالزَّكَاةِ ، وأزال الشُّح من نَفسه كَانَ ذَلِك نَافِعًا لَهُ ، أَنْفَع الْأَخْلَاق فِي الْمعَاد بعد الإخبات لله تَعَالَى هُوَ سخاوة النَّفس ، فَكَمَا أَن الإخبات يعد للنَّفس هَيْئَة التطلع إِلَى الجبروت ، فَكَذَلِك السخاوة تعد لَهَا الْبَرَاءَة عَن الهيئات الخسيسة الدُّنْيَوِيَّة ، وَذَلِكَ لِأَن أصل السخاوة قهر الملكية البهيمية ، وَأَن تكون الملكية هِيَ الْغَالِبَة وَتَكون البهيمية منصبغة بصبغها آخذة حكمهَا ، وَمن المنبهات عَلَيْهَا بذل المَال مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ وَالْعَفو عَمَّن ظلم وَالصَّبْر على الشدائد فِي الكريهات بِأَن يهون عَلَيْهِ ألم الدُّنْيَا لَا يقانه بِالآخِرَة ، فَأمر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُل ذَلِك ، وَضبط أعظمها وَهُوَ بذل المَال بحدود ، وقرنت بِالصَّلَاةِ وَالْإِيمَان فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من الْقُرْآن وَقَالَ تَعَالَى عَن أهل النَّار : { لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين } . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذا عنت للمسكين حَاجَة شَدِيدَة ، وَاقْتضى تَدْبِير الله أَن يسد خلته بِأَن يلهم الْإِنْفَاق عَلَيْهِ فِي قلب رجل ، فَكَانَ هُوَ بذلك انبسط قلبه اللألهام ، وَتحقّق لَهُ بذلك انْشِرَاح روحاني ، وَصَارَ معدا لرحمة الله تَعَالَى نَافِعًا جدا فِي تَهْذِيب نَفسه ، والإلهام الجملي المتوجه إِلَى النَّاس فِي الشَّرَائِع تلو الإلهام التفصيلي فِي فَوَائده ، وَأَيْضًا فالمزاج السَّلِيم مجبول على رقة الجنسية ، وَهَذِه خصْلَة عَلَيْهَا يتَوَقَّف أَكثر الْأَخْلَاق الراجعة إِلَى حسن الْمُعَامَلَة مَعَ النَّاس ، فَمن فقدها فَفِيهِ ثلمة يجب عَلَيْهِ سدها ، وَأَيْضًا فَإِن الصَّدقَات تكفر الخطيئات ، وتزيد فِي البركات على مَا بَينا فِيمَا سبق .